الشيخ محمد رشيد رضا
448
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولعلهم كانوا يريدون بذلك ان ينفضوا من حوله ، وأن يكون منفرا لغيرهم عن الايمان به ، وكان ( ص ) حريصا على ايمان أولئك الكبراء لما تقدم بيانه ، فارشده ربه جلت حكمته في هذا السياق القوليّ الأخير من هذه السورة إلى أن يبين لمقترحي الآيات الكونية من الكفار ان حقيقة الرسالة لا تقتضي أن تكون قدرة الرسول وعلمه كقدرة اللّه تعالى وعلمه ولا ان يكون ملكا من الملائكة حتى يقدر على ما لا يقدر عليه البشر من الآيات ، وبأن ينذر الذين يخشون ربهم من المؤمنين إنذارا خاصا بهم لأنهم هم الذين يرجى ان ينتفعوا بكل انذار ، وبأن لا يطرد من حضرته منهم أولئك الذين يدعون ربهم بالعشي والابكار ، بباعث النية الصحيحة والاخلاص ، ويستلزم ذلك ان يستمر على معاملتهم الأولى التي أمره اللّه تعالى بها في قوله ( 18 : 27 وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) فبعد هذا الارشاد في شأن الكفار المعاندين والمؤمنين السابقين حسن ان يرشد اللّه رسوله ( ص ) إلى شيء في شأن الفريق الثالث من الناس وهم الذين يجيئون الرسول آنا بعد آن مؤمنين بآيات اللّه المثبتة للتوحيد والرسالة فيدخلون في الاسلام مذعنين لأمر اللّه ورسوله - وهم الذين أراد رؤساء المشركين تنفيرهم وحاولوا صدهم - فأمره أن يبين لهم قبل كل شيء انهم صاروا في سلام وأمان من اللّه تعالى لان اللّه تعالى كتب على نفسه الرحمة فهو لا يؤاخذهم بما كان قبل الاسلام ، ومن عمل بعده سوءا بجهالة فما عليه الا ان يمحو أثره بالتوبة والاصلاح ، قال * * * وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ السّلام والسلامة مصدران من الثلاثي يقال سلم فلان من المرض أو من البلاء سلاما وسلامة ، ومعناهما البراءة والعافية ، والسّلام والمسالمة مصدران من الرباعي أيضا يقال سالمه أي بارءه وتاركه ومنه ترك الحرب . والسّلام من أسماء اللّه تعالى يدل على تنزيهه عن كل ما لا يليق به من نقص وعجز وفناء وغير ذلك من عيوب الخلق وضعفهم . واستعمل السّلام في المتاركة وفي التحية معرفة ونكرة ، يقال سلام عليكم والسّلام عليكم ، وهو بمعنى الدعاء بالسلامة من كل ما يسوء . ويفيد تأمين المسلم عليه من كل اذى يناله من المسلّم ،